صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

3177

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

أنواع القنوت : قال ابن تيميّة - رحمه اللّه تعالى - : القنوت الّذي يعمّ المخلوقات أنواع : أحدها : طاعة كلّ شيء لمشيئته وقدرته وخلقه ، فإنّه لا يخرج شيء عن مشيئته وقدرته وملكه ، بل هو مدبّر معبود . وعلى هذا الوجه ، فالقانت قد لا يشعر بقنوته ، فإنّ المراد بقنوته كونه مدبّرا مصرّفا تحت مشيئة الرّبّ من غير امتناع منه بوجه من الوجوه ، وهذا شامل للجمادات والحيوانات وكلّ شيء . قال تعالى : ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها ( هود / 56 ) ، وقال تعالى : فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( يس / 83 ) . النّوع الثّاني من القنوت : هو ما يشعر به القانت ، وهو اعترافهم كلّهم بأنّهم مخلوقون مربوبون وأنّه ربّهم ، كما تقدّم . الثّالث : أنّهم يضطرّون إليه وقت حوائجهم فيسألونه ويخضعون له ، وإن كانوا إذا أجابهم أعرضوا عنه . قال اللّه تعالى : وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ ( يونس / 12 ) ، وقال تعالى : وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً ( الإسراء / 67 ) . وهو أخبر أنّهم له قانتون ، فإذا قنتوا له فدعوه ، وتضرّعوا إليه عند حاجتهم كانوا قانتين له ، وإن كان إذا كشف الضّرّ عنهم نسوا ما كانوا يدعون إليه وجعلوا له أندادا . الرّابع : أنّهم كلّهم لا بدّ لهم من القنوت والطّاعة في كثير من أوامره وإن عصوه في البعض ، وإن كانوا لا يقصدون بذلك طاعته ، بل يسلّمون له ويسجدون طوعا وكرها . وذلك أنّه أرسل الرّسل وأنزل الكتب بالعدل ، فلا صلاح لأهل الأرض في شيء من أمورهم إلّا به ، ولا يستطيع أحد أن يعيش في العالم مع خروجه عن جميع أنواعه ، بل لا بدّ من دخوله في شيء من أنواع العدل . الخامس : خضوعهم لجزائه لهم في الدّنيا والآخرة ، كما ذكر من ذكر أنّهم قانتون يوم القيامة ، وهو سبحانه قد يجزي النّاس في الدّنيا فيهلكهم وينتقم منهم ، كما أهلك قوم نوح وعاد وثمود وفرعون ، فكانوا خاضعين منقادين لجزائه وعقابه قانتين له كرها . والجزاء يكون في الدّنيا ، وفي البرزخ وفي الآخرة ، وهو سبحانه قائم على كلّ نفس بما كسبت ، وهو قائم بالقسط ، والجميع مستسلمون لحكمه ، قانتون له في جزائهم على أعمالهم ، والمصائب الّتي تصيبهم في الدّنيا جزاء لهم . قال تعالى : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ( الشورى / 30 ) ، وقال تعالى : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ( النساء / 79 ) . فهذه خمسة أنواع : قنوتهم لخلقه وحكمه وأمره قدرا ، واعترافهم بربوبيّته ، واضطرارهم إلى مسألته والرّغبة إليه ، ودخولهم فيما يأمر به وإن كانوا كارهين ،